سلسلة الحب والرعب - العدد الثاني: عشاء خفيف



لا تدع الفراغ يقتلك

طوال الوقت يمكنك أن تدّعي أنك قويًّا، لكن دعني أراك عند أول منعطف.

ذلك النموذج للمرأة القوية الذي أحاول ترويجه عن نفسي انهار بوفاة زوجي.. دعني أؤكد أنه لم يكن بيننا حب أو شيء كهذا.. لكنه الفقد: الوحدة، الضياع، أنك اليوم صرت رجلاً كبيرًا وعليك الاعتماد على نفسك: اقضِ أوقاتك مع نفسك، احمل أحزانك بنفسك، ادفع لنفسك إيجار المسكن، احصل لنفسك على الطعام، الكساء، العلاج، وحين تنام ليلاً اسحب الغطاء على نفسك جيدًا لأنه لن يوجد من يطمئن عليك.

تلك الفترة من حياتي كانت مرحلة انتقالية من عمل إلى عمل... لكني لم أكن متأكدة بعد أني سأحصل على عمل جديد. فقط، أطرق كل الأبواب، أتابع إعلانات التوظيف، أرسل سيرتي الذاتية، أحضر مقابلات العمل. ثم لا شيء: مفيش وظايف خالية - وظايف خالية مفيش - خالية وظايف مفيش.

ذاك اليوم، كنت أتصفح بريدي الإلكتروني كما العادة، لم يكن شيئًا مشجعًا على فتح تلك الرسالة، بالأحرى: كان كل شيء منفرًا: كانت تبدو كرسالة مزعجة بالإضافة إلى أنك تستطيع أن تخمن من النظرة الأولى أن بها فيرس. فقط عنوانها اجتذبني ولامس شيئًا داخلي. كان يقول:
"لا تدع الفراغ يقتلك، هناك أشياء أهم تموت من أجلها."

في الأيام التي كان زوجي (كامل) فيها حيًا، كان يعني بالكمبيوتر عناية خاصة، إنه بارع في التكنولوجيا والاتصالات.. منذ رحل، صار الكمبيوتر مرتعًا للفيروسات. لهذا، لن أخسر كثيرًا لو زاد عددها واحدًا، لكن ربما أكسب طريقة لتمضية الوقت.

فتحت الرسالة: كانت تحوي ملفًا مرفقًا بعنوان: "Diner Dash" هذا اسم لعبة شهيرة لو لم تخني الذاكرة. مع عبارة: "إصدار خاص". بدأت في تحميل اللعبة. ولم يفتني أن ألاحظ أن الرسالة مرسلة للعديد من الأشخاص على طريقة الرسائل الـ foreword، وقد شجعني هذا: فمن المطمئن أن تعرف أنك لست الأحمق الوحيد.

اللعبة كاملة مرفق بها الكراك. وفيها تصير نادلة في مريولة زرقاء جميلة ـ هذا لا يعجبك بالطبع ـ وتتولى تقديم الطلبات للزبائن. مطلوب منك أن تقدم أفضل خدمة في أسرع وقت. ويتم احتساب نقاطك وفقًا لمدى رضاء العميل، فكرة بسيطة، صح... لكنها رائعة لتزجية العمر..

ظريف ويناسب ذوقي: لا عنف، لا قتال، لا دماء.. فقط طلبات في كل الاتجاهات. سهلة في البداية من أجل ترغيب اللاعب وضمان تعلقه بها، وحينها سيفعل أي شيء حتى يصل إلى مرحلة جديدة.

أخذتني اللعبة تمامًا، ألعب ليل نهار، تبرد القهوة أمامي، ويمر النهار دون أن أشعر بالجوع، هذا ساعدني في الحمية بالتأكيد، ولكنه لم يساعدني في التقدم في اللعبة للأسف.. كنت أعيد المرحلة الواحدة مئات المرات.. أصبحت درجة الصعوبة لا تحتمل، حتى مع حرفيتي التي اكتسبتها من التكرار.. صرت أعرف أن الزبائن الأكبر سنًا من طراز دودة الكتب أكثر صبرًا، والزبائن العمليون من طراز سيدة الأعمال أكثر بقشيشًا، والعائلة التي تحوي أطفالاً أكثر إزعاجًا.. وفي النهاية: أعيد المرحلة.

كانوا يوضحون لي مدى رضاء العميل من خلال قلوب حمراء تظهر فوق رأسه وتنقص إذا غضب حتى تنتهي فيتصاعد الدخان الأبيض من أذنيه ثم يتلاشى بطريقة مضحكة، فقط ما يحزن أن هذا يعني الانتقاص من مجموع نقاطي.

أبتسم من التفاتات صغيرة أتقنها صنّاع اللعبة، مثلاً تعبيرات النادلة حين تنجح أو تفشل في مرحلة ما، أو تعبيرات العبوس على وجوه الزبائن المتعجلين، الطريقة التي تدبدب بها السيدة الصغيرة حين تغضب أو صوت التلظي الذي يصدره دودة الكتب إذ يتناول طعامه.

صرت أرى اللعبة كلما أغمضت عيني، وأفكر فيها قبل أن أنام... أفكر أنني يمكنني أن أؤدي أفضل: لو كنت منحت دودة الكتب قائمة الطعام لكان اختار طلبه ريثما أحضر العصير لمدمن الهاتف، وكنت حاسبت العائلة قبل أن تطير!
  
ذاك اليوم، تقدمت في اللعب تقدمًا كبيرًا، أعصابي مشدودة للغاية، أصابعي تحكم على الماوس كما لو أني قط وهو فأر حقيقي، واجتزتها... اجتزت تلك المرحلة المريعة، وانتظرت أن أنتقل إلى مرحلة جديدة، لكني لم أنتقل، حدّقت في الشاشة في بلاهة، هززت الماوس، خبطت بكلتي يدي على الكيبورد... لعنت هذا الشيء واستدرت، وهنا سمعت الصوت: دقات طبول وتصفيق واحتفال.. يحتفلون بي لأني: أتممت اللعبة.... نعم، نعم، أتممتها!!
لم أصدق! درت في الغرفة ومنحت نفسي حضنًا كبيرًا: مبروك (ليلى)! مبروك!... سألتني اللعبة إذا ما كنت أحب أن أنضم إلى لوحة الشرف.. نعم، نعم، أحب.. فورًا دخلت إلى صفحة اللعبة وسجلت اسمي.

زفرت زفرة الارتياح وأغلقت الكمبيوتر، ذهبت إلى المطبخ لأعد فنجانًا من القهوة. كان هذا حين رن الهاتف:
-   أستاذة (ليلى برهان)؟
-   نعم، أنا
-   معك (حافظ عاشور) مدير مطعم (دينر داش)
-   أهلا وسهلاً
-   لقد تلقيت سيرتك الذاتية بخصوص وظيفة نادلة.
-   سيرتي أنا؟ نادلة؟
-   يا ابنة الملاعين!

ماذا قال؟...
-   نعم؟
-   أوه، لا، عفوًا لا تؤاخذيني.. أتساءل إن كان باستطاعتك الحضور اليوم للمقابلة؟
-   نعم، سأحضر.. امنحني العنوان من فضلك.

لا أذكر أني أرسلت سيرتي لوظيفة نادلة.. يبدو أنني أحصل على الوظائف التي لا أرسل لها فقط، لكن من قال أني لا أحتاج الوظيفة. مهلاً، هل قال (دينر داش)؟

هي مصادفة غريبة لا شك، كما أنها المرة الأولى التي أعرف فيها أن هناك مطعمًا باسم اللعبة.

كان قلبي منقبضًا والقطط السوداء تمرح جيدًا حول المحل. نظرت إلى الواجهة أستطلع اسمًا للمحل لأتأكد، فلم أجد شيئًا. لمحت فتى وفتاة على الباب متشابكي الأيدي ومتجهين للخارج.. بديا لي في انسجامهما رائعين كعصفورين. وقد عزّ عليّ أن أقاطعهما لكني كنت بحاجة لأن أسأل إن كنت في المكان الصحيح. لكن الفتاة ما إن عرفت أني هنا بشأن مقابلة عمل حتى غرقت في نوبة ضحك، وتمنّت لي حظ فائق وغادرت.. رقبتها إذ تغادر وزفرت في عجب:
-    "أهـ... علامَ تضحك هذه البلهاء!"

أعدلت من ياقة قميصي. مسحت طرف حذائي في ظهر بنطالي. أخذت شهيقًا عميقًا، تمنيت لنفسي التوفيق ودلفت.


احصل على هذا العدد بسعر 3.5 جنيهًا من منافذ التوزيع الموجودة هنا

16 تعليقات، وأنت؟:

  1. ألف مبروك صدور العدد الثاني يا سالي

    بس حرام عليكي الصورة اللي في الهيدر.. رعبتيني :))

    ردحذف
  2. Lovely unique thank you very much and i love you :)) 3ayza a3raf ra2yek

    ردحذف
  3. غير معرف12/10/10 08:41

    ما شاء الله .. ظننت أنك فقدت تلك الحماسة التي بدأت بها كتاباتك وأنشغلت نحو ما يراد به الرزق فقط وأهملت كتاباتك المميزة .. إلا أن من الواضح أن الجوانب التطويرية للأداء تستلزم بعض الوقت .. أذهلتني الصورة بالهيدر .. فلم أكن أتوقع أن يصل بك الحال لعشق قصص الرعب أن تصوري نفسك بهذي الهيئة المخيفة .. أخفتني لا من الصورة .. بل منك.
    لم أقرأ القصة بعد لإنشغالي بعدة أعمال حاليا .. لكن وددت أن أشاركك فرحتك بصدور العدد وأكون من أوائل المعلقين كما عهدتينني.

    تحياتي،،
    فانتوم سابق

    ردحذف
  4. غير معرف12/10/10 11:00

    وددت لو أن ريم اعملت عقلها ولم تنصاع لكلمات باسم الخبيثة بإسم الحب .. ولكأن عم اسماعيل استطاب لحوم البشر فخرج عن آدميته رغم سلوكه البشري الظاهري الطيب .. ولدليلة هي اقرب منه إليها بدمامتها وانصياعها لأوامر المدير

    ردحذف
  5. ألف مبروك يا سالي
    أنا لسة هقراها بس بتوقع
    إنها تكون رائعة

    سلام:)

    ردحذف
  6. مقدرتش أقوم من عليها
    لسة مخلصاها دلوقتي حالا
    بجد حلوة أوي
    أسلوبك رائع

    القارئ دائما على حق:)

    في انتظار العدد الثالث

    ردحذف
  7. فانتوم السابق وإلى الأبد
    خبر مطمئن أنك هنا
    أنا أيضًا للحظة شعرت بالفزع أن يصل بي الحال إلى إتلاف صورتي إلى هذا الحد.. لكن لا بأس طالما أنها مجرد صورة وأرجو ألا يتطور الأمر عن هذا :)
    ملاحظاتك عن الرواية على الإيميل في محلها جدًا وبالفعل كنت أحتاج عينًا أخرى فشكرًا جزيلاً، وربما أقوم بالتعديل على الرواية وإعادة نشرها... هذه ميزة النشر الإلكتروني
    أنرت ظلام المدونة :))

    ردحذف
  8. إيثار الجميلة
    أكيد كلامك جميل زيك وزي أختك
    أنا مبسوطة جدًا إن الرواية عجبتك إنتي بالذات لأني واثقة في ذوقك جدا
    ويارب دايما شغلي يعجبك وانا كمان اشوف رواياتك ونكون سوا كتاب رعب قد الدنيا

    ردحذف
  9. غير معرف14/10/10 11:31

    أرجوك لا تصدقي أنك بحاجة لعين أخرى .. لتكتفي بإثنتيك .. أخشى أن تطمعي في عيني لتضفيها إلى الهيئة الجديدة بالبانر .. وخوفي أن تستلطفي الفكرة فتقتلعيها من رأسي .. فمن يصل لهذه الهيئة المخيفة نتوقع منه أي شئ :)

    فانتوم

    ردحذف
  10. السلام عليكم
    خطوه جيده منك اخت سالى و انا عن نفسى اتوقع لك النجاح و ليس هذا مجرد مدح ولكن الكل يعرف ان مؤلفه مسلسل (عايزه اتجوز) بدات نفس بدايتك فى التاليف و انشاء الله قصصك تتحول الى افلام رعب فى السينما المصرية لان هذا النوع من الاعمال لم يتم التطرق له بعد
    انا ايضا لى مدونة و يشرفنى انك تزوريها
    http://cartoon2arab.blogspot.com/
    .
    .
    .
    تحياتى

    ردحذف
  11. فانتوم
    لا تكن هكذا... ما المشكلة إن أخذت واحدة، وبقيت لك الأخرى؟

    ردحذف
  12. مصرايم
    شكرا جزيلا على التشجيع واتمنى من قلبي تكون شاطر في النبوءة :)
    مدونتك جميلة فعلا ومهما كبرنا مش بنقاوم سحر الطفولة
    متابعة دائمة إن شاء الله

    ردحذف
  13. انا محمود بني اريد التعرف عليك ياسالي عادل لكي احكي لكي قصة حياتي وماعانيته من صغري وانت تالفينها كقصة ارجووووك سالي لن تندمي بالله عليك استحلفك بالله راسليني حالا علي ايميلي mahmoud.binni@yahoo.com او علي mahmoud.binni@gmil.com ارجوووووك بليييز انا خلص هنتهي اذا مافي حد سمعني ارجووووك انا في انتظارك

    ردحذف
  14. انا محمود بني اريد التعرف عليك ياسالي عادل لكي احكي لكي قصة حياتي وماعانيته من صغري وانت تالفينها كقصة ارجووووك سالي لن تندمي بالله عليك استحلفك بالله راسليني حالا علي ايميلي mahmoud.binni@yahoo.com او علي mahmoud.binni@gmil.com ارجوووووك بليييز انا خلص هنتهي اذا مافي حد سمعني ارجووووك انا في انتظارك

    ردحذف
  15. غير معرف10/11/11 17:46

    جميلة اوي يا سالي

    ردحذف
  16. غير معرف17/4/12 02:17

    حبيبتي سالي حرام عليج احنه الي مو مصرين شنو ذنبنا شلون نشتري القصه
    يهمي وين القى يبعون منهت عندنت في الخليج بصراحه قصصج حلوه وايد

    ردحذف

إذًا، ماذا ترى؟
أسرِع، لا يمكنني الانتظار

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...