رؤية نقدية حول العدد الثاني للقاص عصام منصور
بادئ ذى بدء بالنسبة لعشاءك السريع الشيق ، فلن أتناول نقطة الفصحى و العامية ، فلقد نوقش الموضوع مرارا حتى تم إجهاده و نقله الى الإنعاش ، كما لن أتناول أى تعليق على الأخطاء الإملائية أو النحوية أو اللغوية القليلة ، لإيمانى العميق بنبل مهنة المصحح اللغوى و للتفرغ للنقاط الفنية الأخرى ..
الفكرة بشكل عام تم غزلها جيدا من حيث الحبكة و الإيقاع الدرامى ، و هى فكرة غير جديدة من حيث التحول ( اللعبة الإلكترونية التى تتحول لكابوس مقيم : أشهر أمثلتها سنيمائيا فيلم ( ستاى الايف ) ) لكنها جديدة من حيث التناول و ربط فكرة اللعبة الإليكترونية البريئة بقصة تقدم اليكترونيا فى إطار من الحب و الرعب ، لكن دعونا نتناول الرواية بتفصيل أكبر ..
إذا كنا قد كتبنا مقدمة فلن نتجاهل الحديث عن المقدمة و هذا فى حالة إذا أردنا السير بالترتيب ، و بشكل خاص تستهوينى المقدمات القصيرة الدالة و الموحية و الغنية ، هنا المقدمة قصيرة لكنها لا تمتلك الصفات الثلاث السابقة .. راجعى مقدمات مثلك الأعلى – أحمد خالد توفيق حسبما أعرف – الأولى ، ستجدين أنه متخلص تماما من لعنات و عقد البدايات ، و يجيد جذب العين لما هو آت ، مقدمتك جعلتنى أنظر لما هو فات ! جعلتنى أعود لتذكر العدد الأول ، فبدلا من إعادة التأكيد على أن هنالك شبح مع البطلة ، كان عليك الإكتفاء بإشارة سريعة تعقبيها فورا بلمحة عن العدد الثانى ، و هو الأهم حاليا .. لمحة كالتى قدمتيها فى مقدمة العدد الأول بذكر شعر أمل دنقل ..

فى فصل ( لا تدع الفراغ يقتلك ) لم أفهم معنى قول ( رجلا كبيرا ) رغم التأكيد قبل و بعد على أنوثة الراوية ، قبل فى ( وفاة زوجى ) و بعد فى ( لم أكن متأكدة ) ، إذا كنتى تخاطبين القراء الذكور فلا بأس ، لكن الأصح أن تحددى بدلا من ( رجلا كبيرا ) فتقولى ( شخصا بالغا ) ، أيضا تيمة جعل وقت الفراغ نقطة انطلاق الأحداث مكررة جدا فمن الجيد أنك لم تركزى عليها ..
فى ( برجر لاثنين ) بدأ الترقب بوتيرة جيدة التصاعد ، خاصة مع إضافتك لأربعة شخصيات دفعة واحدة ، فضلا عن القط الأسود تيمة إدجار آلان بو الذائعة الصيت ..
استخدام بعض إمكانيات ملفات البى دى إف أو الملفات الإلكترونية – تقنية العصر – كالرسومات و الأطر لتمييز تلك الفقرات عن بقية السرد العادى ، أو لنقلنا الى بيئة اللعبة الإلكترونية كما فى العشاء السريع و لو رمزا ، بدا لى شديد الإبتكار و الحيوية ، و يتناسب تماما مع تطلعات شباب الشات و الفيس بوك الحالى ، و الذى لم يمر بالمراحل الحجرية للكمبيوتر كبيئة الدوس و الهارد الأربعة جيجابايت ! كذلك لا بأس بذكر المقابل للمصطلحات العربية بالإنجليزية ، كنت سأهاجمك لو بدأتى فى الفرانكو آراب ..
فى ( آيس كريم للحلوين ) بدأ تشابك الخيوط و الأحداث و تقاطر الشخصيات ، حتى أن الفصل اضطرك للتمدد من 3 أو 4 صفحات فى الفصلين السابقين الى 12 صفحة كاملة ، لم تفتنى ملحوظة طلب شاى للقط و تأخر ظهور ليلى ، لكن انتهاء الفصل بوجود الفتاة الميتة جعلتنى أتريث فى التساؤل فى انتظار بقية ما ستسفر عنه الأحداث ، و أعتقد أنك اضطررتى للإستعانة بمينو حقيقى ، أو قائمة طعام فيما يبدو أليس كذلك ؟
إكتشاف حقيقة أن الأبطال لعبوا نفس اللعبة رسخ جيدا لواقعية المطعم ، بدلا من أن تجرنا الظنون لتخيل أن المطعم فى النهاية و بأكمله مجرد لعبة خارقة أو سحرية ، و مناداة ريم للزبون بشعبان و مناداته لها بغزال بدا لى متطرف خاصة أن العشرة لم تدم لهذا الحد بينهما .. ملحوظة صغيرة : يترجم الشوام آيس كريم بـ ( بوظة ) ! لذا فلم أتخيل عنوان الفصل ( بوظة للحلوين ) ..
فى ( أرنى فم الجمل ) ترجمة ( هم يا جمل ) الشعبية ، بدأت أولى لمحات الرعب عندما ترتفع الكاميرا – هكذا تخيلت المشهد – من وراء كتف دليلة من منظور ريم لنرى أن الزبون ما هو إلا قط أسود على صدره منشفة ! هذا كفيل بإصابتنا بتلك القشعريرة الغامضة و إن لم تركزى على توتر ما قد يصيب ريم ، و فى هذا السياق هناك ملاحظة يفهمها المحترفين : فمع ذكر ( كان هذا العرض شائقا للجميع ) يمكن للقارئ أن يشعر تلقائيا بحاجته لمزيد من التركيز و ربما الجذل لأن هذا العرض شائقا للجميع ! و هى حيلة أدبية معروفة و من أسرار الكتابة الحديثة ، حيث يمكن للكاتب أن يقول لك ( شهق الكل فى انبهار ما بعده انبهار من عبقرية خطة شكرى ، التى لم تخطر ببالهم قط ) ، هكذا و بالإيحاء يقول القارئ ( ياله من عبقرى شكرى هذا ! ) ، و هو أسلوب خبيث لكنه ماتع لغرس القارئ غرسا فى مشاعر الكاتب طالما كتبها بصدق و تركيز كبيرين و ليس مجرد محترف ماكر ..
هنالك جملتين متناقضتين فى تعليمات نمط الأسرة ( ليس هناك أدنى سبب للتعجل فى تناول الطعام ) و ( طالما الطعام موجود لا حاجة للصبر ) ..
فى ( قضمة كبيرة من الموت ) بدأت رغما عنى أفقد تعاطفى مع الأبطال و هو الفخ الذى يسقط فيه العديد من الكتاب ، عدم الحفاظ على تعلق القارئ بالأحداث .. بدا لى الموقف جنونيا مليئا بالبشر الذين لا يمكن الثقة فى كونهم أحياء ، فضلا عن توقعى فى الفصل السابق أن يصبح المكان مرتع لأشباح الموتى .. لكنى لم أفقد تركيزى أو انشغالى بالأحداث الدموية و هو المهم ..
فى ( رشفة من الصحو بعد الموت ) كان ثمة نوع من الرعب الراقى ، فحديث الصبى الواثق البرئ الذى لنا أن نتوقع أنه زبون شبحى جديد ، يوحى بتخيل مرتعب فزع من ريم لما قد يكون مصيره المنتظر ، و طبعا الحيلة السينيمائية هذه المرة أنه كلما ارتعبت البطلة كلما ارتعب المشاهد و يزيد الأمر سوءا عندما يبدأ الصراخ ..
فى ( بالهناء و الشفاء أيها الأرنب الصغير ) بدأ تطابق اللعبة يتخذ منحى مثيرا مع ظهور القلوب الحمراء أو مؤشرات الرضا فوق الزبائن ، و كانت معلمة اليوجا نسخة من شخصية العرافة فى فيلم الماتريكس ، لكنها لم تكن معقدة أو ذات دور رئيسى ، و ربط أكل لحوم البشر بالأشباح بالحب كان خليطا فريدا ، أما أغنية كعب الغزال الشهيرة فكان على أن أتجاهل تخيل محمد رشدى و هو يغنيها و ترقص على نغماتها نجوى فؤاد ، لكنها أعطت تأثير الموروث الشعبى لرواية تتحدث عن لعبة اليكترونية و هو شئ جديد و جميل فى آن واحد ..
فى ( الحساب من فضلك ) هناك رمزية اشتراكية فى جعل كل رأس مقطوع يخص نادلا ، السقاة ( القهوجية ) هنا طبقة كادحة مغلوبة على أمرها أو بالتعبير الشعبى لحمها رخيص ، و هو ما نراه فى سينما الرعب حيث رمز المذءوبين لطبقة العمال الكادحة الرثة المشعثة ، بينما كان مصاصوا الدماء هم طبقة النبلاء الأثرياء الذين منهم مصاصى دماء الشعب ..
هناك دائرية جيدة تربطنا بالفصلين الأولين ، و أيضا اكتشفت أغنية مصطفى قمر و حميد الشاعرى الكوميدية ، لكنى هذه المرة لم أتشتت بل تخيلتها خاتمة جيدة لمشهد فى فيلم مستقل قصير جيد ، خاصة و أنها أغانى مصرية صميمة ، كلها تذكر الغزال كلمة الغزل التى تقال للفتاة فى مصر ..
فى ( عد لزيارتنا ) كان ضيقى من عدم ذكر الزوج كامل فى العدد الأول كزوج معترف به من قبل البطلة كاف كى يجعل مفاجأة ظهوره فى المطعم قوية ، هكذا اكتشفت أننى لا أقرأ لكاتبة سهلة بل متكاملة الخيوط لا يمكن التهاون معها بهذا الإستسهال و التراخى الفكريان ، بل لابد من التحفز أكثر و أكثر كل مرة أعتقد فيها أننى استنتجت كل شئ ..
فى ( كيف يمكننى أن أخدمك ) إشارة لطيفة و ذكية لكيفية نجاتها بعد أن استمعت جيدا لنصيحة دليلة ( فضربت بوز ) هكذا لم يطلب الزبائن المولعين بالتهام اللحم البشرى أن يتذوقوها ، و هى رمزية أخرى عن حوادث الإغتصاب بعد رمزية أكل أموال الكادحين السابق ذكرها ..
فى الخاتمة السريعة نسبيا عن خاتمة العدد الأول أيضا يمكن ملاحظة فرضية البناء المغرى على هذه الواقعة فيما بعد ، و ذلك بتوظيف هذه الفرصة النادرة لرؤية فانتوم ، و الذى قد يكون هو ذاته مدير الدينر داش ..
شكرا يا سالى و أمنياتى و تحياتى ..
_
صفحة المقالة النقدية على الفيس بوك من هنا
وهنا تعليقي على النقد أو كما يقول دكتور أحمد خالد توفيق (نقد النقد)
ردحذفوجبة ممتعة والله
من زمان نفسي في حاجة زي كدا :))
طبعا يا عصام لازلت على رأيي انك من اجمل الشخصيات اللي التقيتها في عالم الكتابة
واني بستمتع جدا بقصصك وبتعلم منها لكن النهارده كمان عرفت انك ناقد جامد جدا
انا سعيدة جدا بمقالتك دي ومفيدة جدا بالنسبالي وكنت محتاجة فعلا لوجهة نظر موضوعية جدا بصرف النظر عن اي اعتبارات للصداقة او حتى المنافسة الأدبية
واكيد مش هلاقي افضل منك كاتب شامل، وكتبت رعب، وسيناريو، وناقد طبعا وانا عارفة انك بتحضر ورش نقد
ففعلا انا بشكرك جدا وبشكل عام انا بميل لاني اخد الوجبات اللي زي كدا كباكيدج باللي اتفق او اختلف معاها فيه بدون نقاش لكن انت بالذات احتراما لجهدك والوقت الكتير اللي قضيته في القراية والتحليل هحاول اوضحلك نقاط بسيطة
المقدمة بالنسبالي كان هدفها: التعريف بالشخصيات
او انت ممكن تعتبرها اعادة التعريف بالشخصيات لانك اتعرفت عليهم في العدد الاول انما انا اتصور اني هفضل لحد العدد العاشر على الاقل اعرف بالشخصيات لان مش كل الناس قرت العدد الاول
فالفكرة بالنسبالي: ازاي اعرف بالشخصيات من غير ميبدو الامر اني بقرأ من بطاقتهم الشخصية أو ملفهم في البوليس.. اقصد بشكل غير مباشر
طيب بالنسبة لقاريء قديم وقرا العدد الاول: الهدف بالنسبالي مش هيبقى اني اعرفه بالشخصيات ولا حتى افكره، لكن: ان فقرة التعريف دي تمر سريعا بدون ما يلحق يلاحظ اني اخدت من وقته وماضفتش معلومة
وعشان كدا المقدمة قصيرة جدا متزيدش عن كام سطر
وعلى فكرة يا عصام انت استشهدت بدكتور احمد خالد توفيق وهو في كل اعداد ما وراء الطبيعة الاولى كان بيعيد التعريف برفعت اسماعيل من اول وجديد... فيييين مؤخرا لما ابتدا يتجاوز ـ جزئيا ـ عن التعريف بيه
بالنسبة لعبارة (رجلا كبيرا) او مخاطبة القراء بشكل عام بصيغة المفرد المذكر المقصود بيها هنا الشمول: وبصرف النظر عن نوع اللي بيتكلم، او اللي بيتوجهله الكلام، ممكن جدا اني استخدم المفرد المذكر لانه هو الاشمل
وفي القران الكريم مثلا لما ربنا يقول: من يتقِ الله يجعل له مخرجا
(مجرد مثل والامثلة كتير جدا)
ربنا قال يتقي ومقالش تتقي ولا يتقوا ولا يتقين
هو استخدم صيغة المفرد المذكر لكن المقصود هو كل ما سبق المفرد والجمع، المذكر او المؤنث، او بمعنى اخر الشمول
واعتقد ان انا لو قارئة بنت، وقريت في السياق اللي موجود في الرواية (أنت رجلا كبيرا) هعرف ان المقصود (أنتِ فتاة كبيرة)
عدم التركيز الكافي على توتر ريم انت محق فيه جدا
مش بس في الفقرة دي لكن في كتير من المواضع كان ممكن أعلي التوتر (او الرعب لان هو مولد الرعب هنا) كتير عن كدا لكن ممكن الاستعجال او عدم المراجعة الكفاية للنص خلاني اركز على تتابع الاحداث اكتر من تأثير الاحداث دي على الابطال
بالنسبة لفقد التعاطف مع الابطال دي حاجة تزعلني جدا :( انت تقصد فقدت التعاطف مع مين بالظبط
انا اكيد ميهمنيش انك تتعاطف مع كل الشخصيات في القصة لان مش كلهم ابطال، كل شخصيات اللعبة تقريبا مش ابطال انا المهم عندي متفقدش التعاطف مع ريم مثلا وباسم لان اعتقد هم دول الابطال
لكن مستحيل اتمسك باني احصل على تعاطف القاريء مع شوية مسوخ او موتى احياء بعد ما اتضح انهم كذلك
بس وتاني يا عصام بجد بشكرك جدا واتفاجئت بيك النهارده في مهاراتك النقدية
متحرمش :)
وعلى فكرة يا عصام صورة ناقد الطعام دي مناسباك قوي بالذات انك بتنقد (العشاء السريع)
ردحذفقصه جميله جدا جدا جدا بس انا بردو عندي قصه هيا ان انا كنت آعد انا واصحابي م بعض وكانت الساعه 3 بليل وربع كنت انا واخويا وابن عمي وابن عميتي وبنت عمتي وابن خال وختو كنا ادين وفجئا سمعنا صوت غريب جي من المطبخ كان اليوم ده يوم العيلا بيتجمعو عندنا ونعد لين الصبح سهرانين وكل مره يمر عادي ونتفرجك على افلام على الدفدي على فلم سبع تيام الرعب وفجئه زي ما قلت سمعنا صوت حد كسر الكبايه في المطبخ او الطبق اي ما يكون وام اخويا وابن خالي وراحو يشوفي واعدنا وفتحنا النور وفجئه اتاخرو الله انتو فين اتئخرتو لي ياشباب قالو مفيش حاجه عبال مشفنه التكسر ولمنا وبعديها سمعنا صوت الادراج بتتفتح وتتقفل كلنا امنا مخضودين وخايفين قلنا اي الحكايا المرادي امنا رحنا كلنا وشفنا وفجئه اتقفل باب الغرفه الكنا جالسين فيها والبنات امو بوجبهم وصوتو وانا والشباب اليمسك سكينه واليمسك طاسه وبعدين رحنا سنه سنه لئينا الباب اتفتح لوحدو امنا طلعنا بره البيت في الساعخمسه وعشره باين وطلعنا كل واحد لبيته ومعدناش بنتجمع تان من يومها ومش عارفين ايده لحديت دلوقتي
ردحذفشكرا جزيلا سالى .. و الشكل الجديد للمدونة رائع لا شك
ردحذف